
نظم المجلس العلمي المحلي لمدينة مراكش في إطار الملتقى السنوي للسيرة النبوية ندوته العلمية المحلية تحت عنوان : " الموالد والمولديات في التراث المغربي "، وذلك يوم السبت 25 ديسمبر 2021 بقاعة المحاضرات بالمركب الإداري والثقافي محمد السادس لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، باب إغلي بمراكش، وقد تم تقسيم هذه الندوة العلمية إلى ثلاث جلسات. في ما يلي تقرير الجلسة الإفتتاحية التي تناول الكلمة خلالها كل من:
- السيد محمد عز الدين المعيار الإدريسي رئيس المجلس العلمي المحلي لمراكش
- السيد عبد الرحيم بغزلي المندوب الجهوي للشؤون الإسلامية بمراكش
- السيد مصطفى كباب المندوب الإقليمي للشؤون الإسلامية بمراكش
- السيد محمد البايك عضو المجلس العلمي المحلي لمراكش
تقرير الجلسة الأولى للندوة العلمية المحلية التي نظمها المجلس العلمي المحلي لمراكش في إطار الملتقى السنوي للسيرة النبوية تحت عنوان الموالد والمولديات في التراث المغربي
افتتحت الجلسة الأولى بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، ثم تلتها بعد ذلك الكلمة الافتتاحية للسيد محمد عز الدين المعيار الإدريسي رئيس المجلس العلمي المحلي بمراكش التي ركز خلالها على أهمية المولد النبوي في حياة المسلمين قاطبة وحياة المغاربة بشكل خاص.
وأشار السيد الرئيس أن إحياء هذا الملتقى السنوي يمثل نقلة فريدة في مجال العناية بالسيرة النبوية، مؤكدا على أن تقام كل سنة ندوة تخليدية لهذه المناسبة تراعي القيمة والجدية وتراعى فيها الخصوصية المغربية، كما شدد بأن تنظم بالموازاة مع ذلك أنشطة موازية احتفالا بالمولد النبوي الشريف.
وكان لاختيار عنوان هذه السنة : "الموالد والمولديات في التراث المغربي" أهمية قصوى في إبراز الخصوصية المغربية في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، بحيث تطرق السيد الرئيس إلى السؤال الذي يخلق الجدل كلما حلت مناسبة المولد النبوي الشريف ألا وهو لماذا لم يحتفل المسلمون في الصدر الأول بميلاد المصطفى عليه الصلاة والسلام؟ في محاولة منه لتنوير العقول وإخراجها من الجدل العقيم الذي تخوض فيه الأمة الإسلامية كلما حلت هذه المناسبة الفريدة.
وقد أكد السيد محمد عز الدين المعيار الإدريسي على أن الموالد والمولديات تنتمي إلى إبداعين يتعلقان بالاحتفال بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، والموالد عبارة عن نصوص تتناول جزءا يسيرا من السيرة النبوية لا يتجاوز فترة وضعه صلى الله عليه وسلم مع ما رافقها من تجليات وكرامات.
الموالد أغلبها ما يزال متفرقا في الخزائن الخاصة وفي عدد من الزوايا بعضها مخطوط وبعضها مطبوع. وفي مجموعها تنتظر من يتفرغ لدراستها وتحقيقها باعتبارها تراثا مغربيا نفيسا ومنسيا في آن واحد، والموالد عبارة عن نصوص تتناول جزءا من السيرة النبوية لا يتجاوز فترة حمله صلى الله عليه وسلم وفترة وضعه، وما أحاط بذلك من علامات وما تجلى من بركات.
من جهة أخرى أكد السيد رئيس المجلس العلمي المحلي لمراكش أن هذه الندوة ستعالج من خلال جلستين علميتين مسألة "الموالد والمولديات في التراث المغربي" يتوقع أن تكون مادتهما في مجموعها إضافة نوعية ورصيدا أمينا من أدوات المجلس العلمي المحلي الذي يحرص دائما على طبع هذه الندوات والتي ستصبح رصيدا مهما يعكس حضورالمجلس العلمي المحلي لمراكش في المشهد العلمي والثقافي في بلادنا ولله الحمد.
ثم اختتم السيد محمد عز الدين المعيار الإدريسي كلمته بشكر الأساتذة الذي أطروا هذه الندوة السنوية، وشكر الحضور على تلبية الدعوة مع الدعاء الصالح لأمير المؤمنين حفظه الله.
ثم بعد ذلك تلتها كلمة السيد عبد الرحيم بغزلي المندوب الجهوي للشؤون الإسلامية بمراكش والتي نوه فيها بمجهودات المجلس العلمي المحلي لمراكش في إبراز عظمة وشرعية الإحتفال بالمولد النبوي الشريف، وما إقامة ندوة سنوية بمناسبة المولد النبوي الشريف إلا تعبيرا عن حب هذا النبي المعظم والحرص على الدفاع عن سنته ودحض الشبهات التي يروجها المخالفون بالعلم والحجج التاريخية.
كما وجه السيد المندوب الجهوي طلبا للعلماء المغاربة بشكل عام وللمجلس العلمي لمراكش بوجه خاص مفاده الرد على من يعتبر الاحتفال بالمولد النبوي بدعة بالحجج والبراهين الدامغة، مع الإشارة إلى ضرورة حماية عقيدة المغاربة والرد على الشبهات وما تروج به بعض مواقع التواصل الاجتماعي من أفكار تبدع الإحتفال بالمولد النبوي الشريف وتشكك في عقيدة المغاربة، خاصة كلما حلت ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم.
من جانب آخر أثار السيد عبد الرحيم بغزلي موضوع بعض الأسماء التي تطلق على المصطفى عليه الصلاة والسلام والتي لا تعرف معانيها وليست متداولة بين المسلمين بشكل عام ولا بين المغاربة بشكل خاص وإنما توجد في كتابات بعض المستشرقين، منها : اسم الماحي ، الحاشر، العاقب، وهكذا .....
وهذا إن كان يدل على شيء فإنما يدل على اهتمام الأجانب الغير مسلمين بعظمة الرسول صلى الله عليه وسلم، فمثلا المؤرخ البريطاني الشهير أرنود توين يعتبر أن الاهتمام الكبير بشخص النبي صلى الله عليه وسلم خلف كتب ومؤلفات كثيرة جدا، وهذا يجعل أن الباحث في السيرة النبوية يجد كما هائلا من النصوص وما عليه إلا أن يدرسها ليتبين أو ليبين حقيقة عظمة هذا الرسول الذي وصف بأعظم شخصية في التاريخ ، نفس الأمر بالنسبة لعالم الفلك في وكالة الفضاء الأمريكية ميخائيل هارت الذي يذكر في كتابه "الخالدون المائة " بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أعظم رجل في التاريخ وبأن هذه العظمة حظيت باهتمام عدد كبير من المفكرين الأجانب القدامى والمعاصرين وذكر طوماس كارينجي الذي قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجل في مقابل جميع الرجال أسس 20 أمبراطورية دنيوية وإمبراطورية روحية واحدة وهي العالم الإسلامي ككل، لَمارتين الفرنسي كذلك قال نفس الشيء لكنه ذهب ليقول بأن أعظم حدث في حياته هو أنه تمكن من دراسة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم دراسة واعية أدرك من خلالها عظمة وخلود هذه الشخصية وقال بأنه طبقا للمقاييس التي تقاس بها عظمة كل إنسان فإن النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر أعظم شخص على وجه التاريخ.
وفي نهاية المداخلة تقدم السيد المندوب الجهوي للسيد الرئيس وللسادة العلماء بجزيل الشكر على مجهوداتهم في إبراز الهوية الإسلامية المغربية وترسيخ الحفاظ عليها.
ثم تناول بعد ذلك الكلمة السيد مصطفى كباب المندوب الإقليمي للشؤون الإسلامية بمراكش عبر من خلالها عن إعجابه بموعد انعقاد الندوة معتبرا أن المجلس العلمي المحلي أحسن صنعا إذ لم يضبطها على المؤشر الزمني لمناسبة المولد النبوي الشريف، وحتى إن كان الملتقى يؤكد على ثلاث نقط مهمة هي المناسبة ثم الزمن ثم المكان، لأن خروج المناسبة عن سياقها الزمني ينزع عنها لبوس المناسباتية الذي قد ينتهي مفعولها مباشرة مع نهاية الندوة، وذلك لعدة اعتبارات :
- أولا : لكونها سيرة سيد الخلق أجمعين.
- ثانيا : السيرة النبوية تحتوي على مجموعة من السنن وهي الأصل الثاني بعد القرآن الكريم من العلوم الإسلامية.
- ثالثا : هي ملاذ هذه الأمة جمعاء أثناء حلول الأزمات والفتن والمحن.
وأكد السيد المندوب أن ما يعيشه العالم اليوم من أحداث في جانبها السلبي، أثر وبشكل كبير على بنى المجتمعات ووجد نظامه الأمني صعوبة في ضبط إيقاعاته، وأحدث خللا داخل المجتمع الواحد وصراعات بين الدول وظهر قصور الأنظمة الأمنية بشكلها التقليدي لتتعزز الأنظمة المتنوعة إلى جانب النظام بمفهومه العام، منها أصبحنا نرى أو نسمع الأمن الاقتصادي، الأمن الغذائي ، الأمن المائي، الأمن الروحي ....، وانتقل العالم في هذا الجانب من النظام إلى النسق حسب تعبير السيد مصطفى كباب.
كما أشار أيضا إلى أن الحديث عن الأمن الروحي هو استمداد من السيرة النبوية وهو موضوع أكبر من المصطلح نفسه لكونه مصطلحا مستحدثا وإن كان معناه حاضرا ومتمثلا في حياة السابقين وتظهر الحاجة إليه كلما تضررت بنية التدين داخل المجتمع وهذا ما نجده عند إبي سالم العياشي مدونا في كتابه : "ماء الموائد" وما آلت إليه الظروف السياسية في عهده خلال القرنين العاشر والحادي عشر هجري التي أثرت على ما هو اجتماعي واقتصادي أضيفت إليه وطأة الوباء والزلزال ثم المجاعة واختل الأمن الروحي معه، فليس كل زيغ يواجه بسلطة الإكراه والإقصاء وإنما تظهر الحاجة إلى معالجة المشاكل من خلال نظرة استباقية ووقائية يكون الهدف منها الحفاظ على المشترك الديني في المجتمع .
كما أكد السيد المندوب الإقليمي أن السيرة النبوية العطرة أتت لصيانة الهوية الدينية التي تصنع لحمة الأمة أمام الأخطار الخارجية لتعلمنا كيف عالج النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه الأخطار التي اعترضته إما بواسطة الوحي أو بطلب المشورة من الصحابة .
وغاية الأمن الروحي في الحديث الشريف : "من أصبح منكم آمنا في سربه معافا في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بأسرها".
وسورة قريش أيضا مؤسسة للأمن العام حيث نزلت بعد سورة الفيل حسب النسق الترتيبي للقرآن الكريم، ومحاولة هدم البيت العتيق هو تهديد للأمن الروحي، واعتداء على ما تبقى من الحنفية السمحة لتتدخل القدرة الإلهية من أجل استتباب الأمن الروحي، ولتذكرنا سورة قريش بفضل الله على هذه القضية والذي يظهر في قوله تعالى : "الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف" والأمن الروحي ضرورة إنسانية لتحقيق مقاصد التوازن النفسي يعني الأمن من الخوف، وهو أيضا دلالة على الحرية التي اعتبرها ابن عاشور من مقاصد الشرع الحنيف.
وهو أيضا مؤمن للتنمية الاقتصادية عن طريق تخليق الحياة العامة للأفراد والمجتمعات، والحيلولة دون السقوط في شراك التطرف والإرهاب والدعوة إلى التسامح والاعتدال، وهذا قريب مما دعا إليه أيضا ماكس فيبر في كتابه : "الأخلاق البروتستانية وروح الرأسمالية" حينما لاحظ وهو عالم الاجتماع أن هناك فرقا بين المجتمعات الأوربية التي تدين بالبروتستانية في إقدامها وفي استثمارها وفي تقبلها، عن المجتمعات التي تدين بمنطق الكنيسة الكاتوليكية الأرثودوكسية.
لأن هذا النوع من الأمن هو مشترك إنساني بالدرجة الأولى وهو كفيل بوقوف المجتمع أمام التقلبات والمتغيرات المختلفة وبالتالي يشكل دعامة للاستقرار.
من جهة أخرى أكد السيد مصطفى كباب خلال مداخلته أن إعادة هيكلة الشأن الديني في عهد أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله من العمل الحثيت على تحصين التوابث الدينية للمملكة، والاشتغال الجاد على إعادة نهج الخطاب الديني، وهو المعهود. وهذا المجهود هو الذي أسفر اليوم عن تناغم وتوفيق غير مسبوق بين المتطلبات وبين المستلزمات من جهة، وبين العض بالنواجد على الثوابت المغربية لجعل الحكامة الدينية في تعزيز الحكامة الأمنية وفي احترام تام للمبادئ المتعارف عليها دوليا في ميدان حقوق الانسان من جهة أخرى، حيث جاء في خطابه السامي لشهر أبريل 2004 يقول جلالته : "لقد دأبنا، منذ تقلدنا إمارة المؤمنين ملتزمين بالبيعة المقدسة وما تقتضيه من حماية الملة والدين، على إيلاء الشأن الديني الأهمية الفائقة والحرص على قيام مؤسساته بوظائفها على أكمل وجه والعناية بأحوال الساهرين عليها والسير على النهج القويم لأسلافنا المنعمين في الحفاظ على الأمن الروحي للمغرب ووحدة المذهب المالكي ". ومن خلال هذه الكلمة السامية لجلالته نستشف أن حضور الأمن الروحي عند اختلال الفهم بالدين أو عند عدم مواكبة اجتهاد المجتمع للتطور العلمي يصبح ضرورة سياسية ودينية لها نظام تاريخي حقق تراكمات في المغرب.
فإمارة المؤمنين حريصة على حماية الأمن الروحي للمغاربة والعقيدة الأشعرية، ووحدة المذهب مؤمنة لفهم النص الديني، مما يساهم في وحدة المجتمع وتحقيق التوازن في ممارسة الدين والتعبد. ولتحصين الدين من الغلو تآلف المغاربة على طريقة الجنيد في التربية والسلوك حتى اكتملت الصورة وترسخت في الوجدان، ليعبر عنها شاعر الملحون وهو يتحدث عن تأثير العقيدة الأشعرية في الوجدان مشيرا إلى مسألة الشفاعة فيقول سيدي قدور العلمي رحمه الله : " بقلب منكسر غثنا يا خير الهادي أنا في حماك يارسول الله الحبيب غيث ...."
وفي ختام كلمته تقدم السيد المندوب الإقليمي بجزيل الشكر للسيد رئيس المجلس العلمي المحلي لمراكش وللسادة العلماء على جهودهم في خدمة الثوابت الوطنية وعلى حرصهم على إبراز الهوية المغربية، مع شكر الحضور.
ثم تلتها المحاضرة الإفتتاحية للسيد محمد البايك عضو المجلس العلمي المحلي لمراكش والتي تناولها فيها بشكل مقتضب موضوعا طريفا يلامس قضايا السيرة النبوية والنسب النبوي الشريف، من خلال مناهج حديثة تنفتح على علوم العصر وعلى مناهج الحداثة، إذ اعتبر أن عنوان المداخلة يلخص كل هذه المعاني " نظرات فيولوجية في نسب الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال مؤلفات الغرب الإسلامية السيرية "
من خلال بحث يتضمن سبع إطلالات:
- الإطلالة الأولى : في أهمية علم الأنساب للعرب عاما وللمسلمين خاصا وأهمية عمود نسبه الشريف وصلاحة اشتقاقه المقارن لعدنان في اللغات السامية والبحث طويل
- الإطلالة الثانية : عن بعض التساؤلات الواردة من بعض المستشرقين حول عمود نسبه الشريف صلى الله عليه وسلم وعدم وجود مغمز عند معاصريه من قريش الذين سكتوا واعترفوا رغم تخصصهم وقدرة شعرائهم على ذلك.
- الإطلالة الثالثة : على بعض ما قيل في اشتقاق اسمه صلى الله عليه وسلم ولقبه محمد وأحمد ومشتقاتهما في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة
- الإطلالة الرابعة : على عبد الله والده وولده عبد الله وصنيع عبد المطلب بزمزم والبيت الحرام مع ابن حارث متحديا في ذلك مطامع قريش عن بكرة أبيهم مستنصرا بأبنائه العشرة وأخواتهم الخمس بعد أن وهبه الله تعالى عشرة أبناء وخمس بنات
- الإطلالة الخامسة : على الهاشمي التليد وصانع إيلاف " لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف " وكما قيل في اشتقاقه الظاهر فيه في اللغة العربية واللغات السامية
- الإطلالة السادسة : على مؤسس خطة مكة قصي بن كلاب ومنظم مؤسسات الرفادة والسقاية والحجابة والندوة وغيرها .
- الإطلالة الأخيرة : على أجداد كلاب بن مرة ومن بعدهما إلى جده عدنان وما يحيط بها من اشتقاقات ومقاربات.
مع إشارة السيد محمد البايك إلى أن هذه الإطلالات سيتم نشرها ضمن منشورات المجلس العلمي المحلي لمراكش.
وفي ختام مداخلته شكر السيد البايك الحضور الكريم ووجه الكلمة للشاعر والأستاذ إسماعيل زويريق الذي نظم قصيدة في مدح الرسول الأعظم تلاها أمام الحضور.